مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )
49
رجالات التقريب
فلا فرق بينه وبين العميان . فالعقل مع الشرع نور على نور « 1 » . ولذلك ، تميزت العقلانية المؤمنة عن « الجمود النصوصي » الذي يكتفي بالوقوف عند ظواهر النصوص ، متنكرا لتعقل مرامي ومقاصد هذه النصوص . . كما تميزت عن العقلانية اللادينية ، التي ألهت العقل ، واستغنت به عن الوحي والنصوص ، فاكتفت بالنسبي عن المطلق والكلي المحيط ، وبعالم الشهادة عن عالم الغيب ، وبظاهر الحياة الدنيا عما وراء هذا الظاهر ، وبآيات اللّه في كونه المنظور عن آياته في وحيه وكتابه المسطور . . ( . . ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) « 2 » . وبهذه العقلانية المؤمنة انتفت الثنائيات المتناقضة ، تلك التي سقطت فيها « السلفية النصوصية » و « الوضعية الغربية » جميعا ! . . فرأينا - في فكر مدرسة الإحياء والتجديد - المعجز الإسلامي - القرآن الكريم - عقلانيا ، لأن المعجزة هي الخارقة « للعادة » وليست الخارقة « للعقل » . . « والقرآن - وهو المعجز الخارق - دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم . . فهو معجزة عرضت على العقل ، وعرفته القاضي فيها ، وأطلقت له حق النظر في أنحائها ، ونشر ما انطوى في أثنائها . . فالإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي ، والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري ، فلا يدهشك بخارق للعادة ، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة ، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية « ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية . . فتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس ، على لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل ، وتقرر بين المسلمين كافة - إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه - أن من قضايا الدين مالا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل ، كالعلم بوجود اللّه ، وبقدرته على إرسال الرسل ، وعلمه بما يوحى إليهم ، وإرادته لاختصاصهم برسالته ، وما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم الرسالة ، وكالتصديق بالرسالة نفسها ، كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم ، فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل . واللّه يخاطب في كتابه الفكر والعقل والعلم ، بدون قيد ولا حد . . والوقوف عند حد فهم العبارة مضر بنا ، ومناف لما كتبه أسلافنا من جواهر المعقولات ، التي تركنا كتبها فراشا للأتربة وأكلة للسوس ، بينما انتفعت بها أمم أخرى أصبحت الآن تُنعتُ باسم النور . . والمرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه ، وعرفه بنفسه حتى اقتنع به ، فمن تربّى على التسليم بغير عقل ، والعمل - ولو صالحا - بغير فقه ، فهو غير مؤمن ؛ لأنه ليس المقصود من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان ، بل القصد منه أن يرتقى عقله وتتزكى نفسه بالعلم باللّه
--> ( 1 ) - « الاقتصاد في الاعتقاد » ص 2 ، 3 . طبعة مكتبة صبيح . القاهرة . بدون تاريخ . ( 2 ) - الروم / 6 - 7 .